أقوال

إن الأمة المستعبدة بروحها وعقليتها لا تستطيع أن تكون حرة بملابسها وعاداتها .(جبران خليل جبران) _______ الصمت ينطق، والخوف ينتصر على نفسه، والجدار السميك يصبح أشلاء متهاوية على الأرض. (عقل العويط)

الأربعاء، 24 أبريل 2013

هل التعليم المدرسي على حافة الهاوية؟!




لا يزال الطلبة يعانون من عدم تماشي اسلوب المنهج الدراسي الحالي مع التطور التقني الذي يحدث في العالم، وما اقصده الاعتماد الكلي على أسلوب التدريس القديم من حفظ وتلقين وابتعاد عن تطبيقه بالامثلة والتدريب والشرح على ارض الواقع. مثال عليه الاعتماد على الكتاب لإيصال المعلومة للطالب وبعد ذلك المذاكرة والحفظ اللذين ينهمك فيهما الطالب قبل موعد الامتحان بيوم، فينكب في محاولة منه لحفظ جميع المعلومات التي تلقاها خلال الفصل عن ظهر قلب من أجل أن تكون نتيجته بالامتحان ممتازة، مما يؤدي إلى تراكم المعلومات وارهاق للدماغ وبالتالي قد يسبب له الكثير من حالات الكآبة واليأس إن لم تكن النتيجة مرضية ومثلما يرغب بها، وكل هذا أسبابه تعود إلى أسلوب التعليم الذي اعتمدته المناهج الدراسية والمعلمين من تحفيظ وتلقين الطلبة للمعلومات أكثر من الاعتماد الكلي على الشرح وايصاله بصورة سلسة وواضحة على أكمل وجه للطالب، من خلال المناقشة والتحاور و التدريبات التطبيقية والعملية المبدعة والامثلة المبتكرة التي يستقيها من خلال البحث في البيئة، مثال عليه مادة الدراسات الاجتماعية للصف الخامس وتحديداً درس الخطوط والعرض، من الملاحظ أن الدرس يعتمد على أن يحفظ الطالب خطوط الطول والعرض الموجودة في العالم، وبالتالي ينهمك المعلم في الاعتماد الكلي على اسلوب الكتاب بدون وضع تقنية جديدة تضيف للطالب في تلك المرحلة المعلومة الجديدة بصورة واضحة وشيقة بالامثلة من المكان نفسه الذي يسكن فيه الطالب، من اجل شرح كيفية قراءة الخريطة أو من أجل معرفة موقعها الجغرافي على الارض، وبالتالي يضطر الطالب إلى حفظ المعلومة مثلما هي عليه بدون شرح كافي قادر على ضوئه الاستفادة منها في المستقبل، ولعلي اتساءل هنا كيف من الممكن لطالب في عمر 10 سنوات ان يستفيد من حفظ معلومة مهمة مثل هذه بدون الشرح والتوضيح والتفهيم؟ وكل هذا اسبابه تعود إلى اعتماد المعلم على الاسلوب القديم في التدريس عن طريق الورق والواجبات والاختبارات التي تجعل من المعلومة حاليا لا حاجة إليها، وما أقصده هنا أن شبكة الانترنت حالياً تقوم بهذا الواجب بدون الحاجة إلى معلم، ويتبقى للطالب فقط الاعتماد على أن يحفظ معلومات من أجل يحصل على درجات تؤهله لدخول مرحلة دراسية عليا كالجامعة أو الكلية.
إذن نحن بحاجة إلى تغيير ادوات المنهج الدراسي لتتماشى مع قدرات الطالب الحالية، فهو حالياً قادر على الوصول إلى أي معلومة يريدها عن طريق المواقع الالكترونية، كما أن هناك جامعات في الوقت حالي تعتمد على التعليم عن طريق التواصل الالكتروني من أجل شرح المحاضرات للطالب وهو في أي مكان، وهذه الطريقة سهلت للطالب الجامعي الوصول السريع للمحاضرة والاستفادة منها في أي وقت يشاء، فمع انتشار تكنولوجيا المعلومات وازدياد الصفحات والمواقع التي تعني بالتعليم اضحى التعليم عن طريق التقنية الالكترونية وفي المنزل من ضمن الدراسات المعتمدة والموثقة وبالتالي يسهل للمتلقي والمتعلم القيام بأكثر من عمل خلالها، وربما سيأتي يوم ينقرض فيها وجود المعلم في المدارس في ظل التطور بالتعليم التكنولوجي، فبحسبه بسيطة نجد أن تكلفة التعليم التكنولوجي أقل إذا وضعنا معلما واحدا لمادة معينة لجميع الطلبة في كل مدارس المنطقة عن طريق التعليم الالكتروني بمواقع تعليمية مميزة وذات خبرة في مجال التعليم التكنولوجي بديلا عن حضور المعلمين في المدرسة.
كما أننا بحاجة لتغيير أدوات المنهج وأسلوبه بسبب الضغط الذي يمارس على الطالب قبل واثناء فترة الامتحانات، فمن الملاحظ في هذه الفترة أن الدراسة أضحت في احدى صورها نوعا من أنواع العقاب للطالب فيمارس عليه الضغوط من اجل استيعاب جميع المعلومات وحفظها بصورة سريعة وفي ظرف قياسي قبل موعد الامتحان بليلة، كأن العلم والمعلومات التي أخذها خلال العام الدراسي هي سباق من أجل النتيجة وليس من أجل المعلومة، وبالتالي تكون فترة الامتحانات من أصعب الفترات التي يواجها الطالب وتظل في ذاكرته حتى وقت طويل، كما أن ذلك الضغط الذي مورس عليه من أجل النتيجة لن يفيده مستقبلا بسبب نقص المنهج الدراسي عن الاسلوب التطبيقي المبتكر والمبدع للدرس بالتدريبات والامثلة والبحوث، لذلك سرعان ما تتلاشى تلك المعلومات التي اعتمدت على الحفظ بدون الشرح ووجود الادوات اللازمة لإيصالها على اكمل وجه، ومع توافر شبكات الانترنت اصبحت المعلومة تصل للطالب الذي حصل على نتيجة متدنية بمنتهى السهولة وفي متناول الجميع بعد انتهائه من المرحلة الدراسية، إذن الاشكالية هنا في توفير بيئة مدرسية ابداعية ومنفتحة على كل الطرق الحديثة لمستجدات التعليم الحديث من أجل تهيئة الطالب القادر على التعاطي مع المعلومة بصورة واضحة في المرحلة العليا من الدراسة الجامعية، فالجو الجامعي يعتمد على المحاضرات والحوارات التي يجب أن يتهيأ لها الطالب خلال سنواته الدراسية السابقة، فالطالب حالياً ينتظر بفارغ الصبر نهاية اليوم الدراسي بسبب الضغوط والقيود التي تمارس عليه من صمت تام اثناء الحصة الدراسية فتصيبه حالة من عدم التفاعل والكسل والرغبة بانتهاء الحصة الدراسية بأسرع وقت ممكن، ولكن لو كانت الحصة الدراسية تعتمد على النقاش والحوار وتبادل الافكار ومشاركة جميع الطلبة فيها بصورة جماعية تحرك الجميع للإبداع والابتكار في مجال المادة لما سببت هذه الحالة للطالب.
ما نحن بحاجة إليه حاليا هو التعليم المبتكر الذي تكون أساسياته التفكير والابداع والتحاور، أما التلقين والحفظ والتوجيه فهو يأخذ الطالب إلى طريق ومنحنى الهاوية لأن المنهج الحالي خالي من تشجيع المناقشة وتبادل الآراء والافكار وتنمية القدرات الابداعية وخلق روح المنافسة الايجابية في البيئة المدرسية، فأسلوب التدريس واعطاء المعلومة يؤثر في المخرجات التعليمية للطلبة، وكل ما على وزارة التربية والتعليم هو تحفيز وتشجيع المدارس على ابتكار أساليب حديثة للتعليم عن طريقة المتابعة الشهرية للمدارس ووضع جوائز تشجيعية للمعلم المبتكر في مجال المادة، لأنها تلعب دوراً مهما في تحفيز المعلم والمدرسة على العطاء وتقديم المبتكر، كما أنها تغيير وتؤثر على سير العملية التعليمية للأفضل كي تتلاشى من ذهن الطالب صورة المعلم السلبية كملقن.

نشرت في جريدة الرؤية بتاريخ 24/ابريل/2013م 

الأربعاء، 17 أبريل 2013

بين شح الماء وانفجاراته ،،،، أزمة إدارة




تعرضت ولايتا السيب والمصنعة الأسبوع الماضي لأزمة مياه اختلفت حولها الأسباب والحجج، ولكنها اتفقت على وجود اهمال شديد لدى المؤسسات الحكومية عموماً والهيئة العامة للكهرباء والمياه خاصةً، تبين مقدار عجز الإدارة في معالجة الازمات التي من الممكن أن تتعرض لها السلطنة في المستقبل، وفيما يخص أزمة المياه من الملاحظ أن السلطنة وتحديداً مسقط تعرضت لمشاكل مختلفة تختص بالمياه، ظهرت بكثرة خلال الفترات الماضية، بصورة انذارات لضرورة السرعة في ايجاد حلول لآلية التعامل مع هكذا اوضاع في المستقبل، فالمشكلة ابتدأت منذ اشهر من خلال انفجارات انابيب المياه التي حدثت في منطقة الخوير، اظهرت عن وجود خلل في التخطيط وإدارة انابيب المياه لدى المؤسسة المشرفة عليها، انتهاءً بمشكلة انقطاع المياه عن ولايتي السيب والمصنعة.
وعند محاولة معرفة الأسباب الرئيسية لمثل هذه المشاكل فإن الأجوبة توضح حجم الوضع الخطير التي تمر به الهيئة من سوء تخطيط ودراسة، ففي أحد الاسباب التي ذكرتها الهيئة وحاولت توضيحها انصبت على أن سبب انقطاع المياه عن ولاية السيب خلال اليومين الفائتين يعود إلى زيادة الاستهلاك اليومي للمياه عن المعدل الطبيعي، بالاضافة إلى التوسع العمراني والصناعي الذي تصادف مع زيادة استهلاك المياه، تلك ربما تكون حجج منطقية في حالة عدم الاعتماد على الدراسة والتخطيط في مواجهة المصاعب، ولكن للاسف فأن الهيئة لم تعترف بوجود تقصير واضح من جانبها في تفعيل آلية تخطيط ودراسة المشاريع في مشكلة المياه، وهذا ليس فقط بالنسبة للمياه، بل هناك ايضاً ازمة انقطاعات الكهرباء المستمرة في المناطق التي تبين حجم الثغرات لسوء الادارة التي ما عادت تخفي على المواطن، فهل التعداد السكاني الذي تم العمل عليه خلال السنوات الماضية غير مجدي لمعرفة حجم الاستهلاك؟  ولتفادي مشكلة التضخم السكاني؟ فالتعداد لا يعمل على معرفة عدد السكان وحسب، بل من أهم فوائدة معرفة البنية الاساسية للسلطنة للعمل على وضع دراسات وبحوث وتخطيط مستمر حولها وعلى ضوء حجم المتغيرات في الزيادة السكانية وفي التغيرات الاقتصادية للبلد ، ومن هذا المنطلق اتساءل: هل السلطنة قادمة على مشكلة أزمة مياة أو أزمة إدارة المياه؟
الوضع الحالي للازمات التي تظهر للمواطن ما عادت من المجدي ترقيعها، فالمشاكل اليومية التي يتعرض لها الفرد من خلال أزمة مياة نتيجة إلى البطء في ايجاد الحلول للمشاكل التي يواجهها يومياً ( مثال على ذلك التوظيف وارتفاع غلاء المعيشة والحوادث المتكررة ) يجب التفعيل الجاد والسريع لآلية إدارة الازمات التي من الممكن أن لم يتم إيجاد حلول لها وبصورة سريعة ربما ستخلق كارثة تراكمية للمشاكل ذات الحلول المرقعة، والذي من الممكن أن يؤدي إلى انفجارات متواصلة للاحداث التي لم يتم حتى الآن التسريع في علاجها، كما أن النظام القديم الذي يسير العمل حاليا ما عاد قادر على سد الثغرات وتستر على المشاكل التي يتعرض لها المواطن، وما تحتاجه المؤسسات الحكومية في الوضع الحالي هو الانضباط داخل المؤسسة لأجل المواطن والوطن، بالتوسعة في مجال إدارة الازمات عن طريق المهارات والتقنية لتحديد وتقييم وفهم واستيعاب أي أزمة قد تؤثر على البلاد في المستقبل، فالمشاكل الحالية التي يتعرض لها الافراد من قبل المؤسسات الحكومية توضح حجم الثغرة التي تفصل بينهما وحجم الثغرة بين المؤسسات الحكومية وكيفية إدارة الأزمة بالخطط البديلة والتدريبات السريعة التي تكون دائما في حالة تأهب للأوضاع التي يمر فيه المجتمع، وما تحتاجة المؤسسات لإدارة الازمة ثلاث مراحل أولها تشخيص المشكلة بكل ابعادها، ثانياً اختيار استراتيجية مناسبة للعلاج، ثالثا وأخيراً تنفيذ الحلول والعملية مع ضرورة رصد المتغيرات فيها، فهل مؤسساتنا تفتقر لمثل هذه الاستراتيجيات؟
أن أول علاج لأي مشكلة تتمثل بالاعتراف بوجود الخطأ، وهذا ما يجب أن تعمل عليه المؤسسات الحكومية أو العامة كي تعزز مصداقية عملها، بالاضافة إلى ذلك فأنها تعمل على زيادة الثقة بين الافراد والمؤسسات، فالمؤسسة القادرة على احتواء المشكلة هي المؤسسة التي تبني علاقتها على اساس المصارحة والوعي بمكامن الخطأ أو الضعف في المؤسسة، فالاعتراف بالخطأ يدل على التفاعل المستمر لحل المشاكل التي من الطبيعي أن تتعرض له أية مؤسسة في العالم، ولكن للأسف فثقافة الاعتراف بالخطأ لا تشمل اعمالنا اليومية، بسبب الظن بأن الاعتراف بالخطأ ضعف قد يؤثر على نظرة الآخرين لنا، وتلك اشكالية مرتبطة بالتكوين الاجتماعي في الوطن، وما علينا سوى أن نتقبل اخطاءنا بصورة تجعلنا قادرين على تقبل الاعتراف به كي نستطيع أن ننزع من أنفسنا صفة التعالي واحتكار مفهوم الصح.


نشرت في جريدة الرؤية بتاريخ 17/ابريل/2013

الأربعاء، 10 أبريل 2013

القافزون


ربما يكون عنوان المقال مغلف بالغموض المندرج في كلمة "القافزون"، فالقفز هو الاعتلاء، وكسر خطوات الارض والجاذبية بالوثب إلى السماء، والإنسان منذ بدء التاريخ البشري يحاول الوصول إلى السماء بمختلف الطرق بداءاً من دراسة النجوم والكواكب حتى ممارسة رياضة القفز مروراً بالقفز الحر العكسي من الجبال والطائرات للأسفل كمغامرة محفوفة بالتشويق، انتهاءً بقفزة فيليكس القياسية من على ارتفاع 39 كيلومتر عن سطح الارض، وبذلك تطورت الابتكارات للمحاولات البشرية القفز بمختلف الطرق.
ولكن من أريد التحدث عنهم في مقالي هم فئة من الشباب المثقفين الموجدين في المجتمع، وأطلقت عليهم لقب القافزون، وأقصد بها القافزون ثقافياً عن جذور التاريخ والعادات والتقاليد لبعد مستقبلي يرغبون به الابتعاد عن الجمود بوثب بعيد المدى نحو القادم المتغير، ربما يكونوا فئة قليلة في المجتمع ولكن أفكارهم الحداثية والمتطورة والمتجددة احدثت فجوة عميقة لدى اصحاب الفكر المحافظ، فالفكر المحافظ يخشى المتغير ويخاف منه، يقلق من التجدد ويرى فيه بعداً غامضاً ومقلقاً لمبادئهم أو القيم التي استنبطوها عبر التاريخ، والتي يمارسوها عن طريق الوراثة والتلقين، والقافزون عن الجذور والتقاليد والافكار المحافظة يرون أن تلك الافكار لا تتناسب مع افكارهم ورؤيتهم الحداثية للحياة التي استنبطوها من الرغبة بالتغيير والتي ابتدأت بالتساؤلات العلمية والجدلية والفلسفية التي ما عادت اجوبة المحافظين تفي لسد حاجتهم للبحث الدائم عن تلك الاجوبة، وما عادت تلك الاجوبة تشبع القافزون أو تتسع لتطلعاتهم العلمية أو الفلسفية، فتلك الأجوبة المستهلكة أصبحت تثير الشكوك حول أمكانية أن تكون مزيفة ومصطنعة لا قيمة إنسانية لها وإنما تبرز حجم الجمود الذي وضع فيه الفكر في المجتمع.
"القافزون" هم فئات مختلفة فكرياً في تطلعاتهم، فهناك القافز علمياً وهو الذي يبحث عن أجوبة علمية لأفكاره، تشبع نهمه العلمي للكون والوجود، ولكن للأسف لا يجد في المجتمع من احتواء أو مساحة تتسع لضمه إلى أفراده، وهناك القافز فلسفياً الذي ما عادت الفلسفية المتوارثة تشبع اختلاف أفكاره عن الوجود وعن الذات، والقراءات التاريخية العالمية للفلسفة لا يجد لها آثرا في المجتمع رغم توافر الكتب حولها، وهؤلاء الفئات المختلفة من القافزون قد لا يستطيعون التصريح بأفكارهم ولذلك نجدهم منعزلين عن المجتمع، وأن صرحوا بأفكارهم نجد أن المجتمع غير قادر على استيعاب تلك التساؤلات أو الأفكار فيحدث تصادم بينهم وبين الافراد في المجتمع، فيواجه بالعنف الزاجر أو بتهميش الانعزالي.
سبب تسميتي لهم بالقافزون لأنهم بالنسبة إلي لايزالون بحاجة إلى قراءات تدعم تطلعاتهم وتفتت وتحلل الثقافة التي يرون فيها الجمود وعدم منطقيتها للأفكار والاحداث الإنسانية التي تحدث حولهم أو في العالم، فبعض القافزون قد يحرقون مراحل تاريخية لا تدعم وصول القافز إلى المكان بأمان، وهناك عبارة قد يكررها البعض رداً على نظرتي هذه " بأننا يجب أن نبدأ من حيث انتهى الأخرون"، ولكن ما هي تلك النهاية حتى نبدأ بتلك البداية، فالنهاية يجب أن تكون واضحة المعالم ولو بالفكرة حتى نستطيع أن ننطلق من نهايتها لبداية أكثر قوة وتماسكاً، فكل مرحلة تاريخية في الفلسفة وعلم الاجتماع هي المطور والمكمل لأفكارنا الحالية، فالتاريخ بالرغم من أن الكثير من الاقلام تلاعبت به، ولكنه له آثر في قدرته على تحرير الوعي من الجمود وذلك يحدث فقط حين نستطيع تسليط الضوء عليه بالتحليل والبحث والنقد الموضوعي.
هناك من القافزون المميزون في الثقافة الذين يحاولون بكتاباتهم ومقالاتهم أن يضيئوا الافكار بصورة صحيحة وسليمة تصل إلى جميع الافراد، وهناك محاولات من البعض في المجتمع من جماعة المحافظين لثنيهم عن قفزاتهم التاريخية، بالهجوم عليهم ومحاولة القضاء على تلك التحركات الفكرية التي نحن بأمس الحاجة إليه لنشر حق الاستقلال الفكري لجميع الافراد، فهؤلاء القافزون يحتاجون لمساحة من الحرية لطرح آرائهم بكل مصداقية ودراسة، فلهم رؤية بعيدة المدى عن الاحداث، كما أنهم يسلطون الضوء اثناء قفزهم عن وضع المجتمع الحالي وجموده التي قد لا يراها البعض أو قد يراها الآخرون ولكن لا يرغبون بتغيرها أو تسليط الضوء عليها، لكونها من التابوهات التي لا يجب أن تمس، وتساؤلات القافز قد تثير الشكوك حولها.
نحن بأمس الحاجة لإعادة النظر في المفاهيم والمدارك والقيم وفي استيعاب جميع الاختلافات الفكرية التي تبرز مع تطلعات الشباب، بالخروج من الاطر التي تأسرنا وتصنف أفكارنا في هويات ضيقة وصغيرة ومشوه، ولا يتم ذلك إلا بإفساح المجال نحو القافزون للوصول إلى أعالي السماء كرؤية تبرز أهم القفزات الفكرية وما هي تلك الرؤية التي استنبطت اثنائها، لتحرر الفكر من المفاهيم المستهلكة والمنغرسة في الأرض.

 نشرت بجريدة الرؤية بتاريخ 10/ابريل/2013

الأربعاء، 3 أبريل 2013

اليوم العالمي للتوحد


مرض التوحد من أكثر الامراض المنتشرة لدى فئة الاطفال تحديداً، ويعتبر حالياً من أخطر الأمراض التي يتعرض لها الدماغ، فهو يعطل أهم وظيفة بالدماغ لدى الطفل المتمثلة بالتواصل والتفاعل والشعور بما يحدث مع من حوله ومع العالم تباعاً، فالطفل الطبيعي اثناء مراحل نموه يعمل دماغه على تفسير الاشياء التي يراها ويلمسها، فيحاول تحديد رائحتها أو صوتها أو طعمها وملمسها، ولكن الطفل المصاب بمرض التوحد يصعب عليه فهم أو الاستماع أو اللعب أو تفسير وتعلم تلك الاشياء التي تتواجد من حوله، ومرض التوحد لا يعرف حدوداً جغرافية، وهو يؤثر في الافراد والاسر في كل قارة وفي كل بلد.
تختلف شدة اعراض مرض التوحد من طفل لأخر، فهي آحياناً تظهر بصورة الانزعاج أو الضيق الشديد من الاصوات العالية، وفي بعض الحالات لا تظهر لديها هذه الاعراض، ولكن قد تظهر لديهم بصورة عدم المقدرة على استيعاب العواطف أو فهمها وايصالها للآخرين، وبحسب الاحصائيات فأن طفلا من بين 88 طفل معرض لمرض التوحد، وتفيد التقارير كذلك بأن مرض التوحد أكثر شيوعاً لدى الذكور بنسبة 5 مرات عن الاناث، كما اظهرت الاحصائيات بأن الاطفال الذين يولدون من آباء كبار بالسن أكثر عرضة للإصابة بهذا المرض، وهناك نسبة بسيطة بالنسبة للأطفال الذين يولدون قبل الأوان أو الاطفال الذين يولدون بوزن أقل، وتظهر بصورة واضحة لدى العوائل التي لديهم أمراض وراثية أو امراض في الكروموسات، كما تظهر اعراض اجتماعية اخرى لمرض التوحد متمثلة بصورة ضعف في التواصل مع أفراد العائلة بمعنى أن الطفل المصاب لا يهتم بوجود الآخرين ولا تظهر لديه مشاعر مثل الحزن أو الفرح كما أنه لا يحب أن يختلط مع الاطفال الآخرين، كما تظهر لديه صعوبة في النطق أو تكرار جملة وترديدها بدون وعي أو قد يكرر حركات بجسده وتستمر معه تلك الحركة أو الكلمة لفترة زمنية طويلة.
التوحد قد يؤدي إلى إعاقة تستمر طيلة حياة الفرد أن لم يتم معالجتها ومحاولة استيعاب أسبابها وتحديد الطرق الصحيحة الصحية اللازم توافرها لعلاج الحالة، ويرى الاطباء أن الاطفال المصابين بمرض التوحد يجب دمجهم مع الاطفال الغير مصابين ولكن بصورة يجب أن تتوافر فيها الادوات والكادر الوظيفي التخصصي المدرب على التعامل مع مثل هذه الحالات، فهناك اعراض تظهر بصورة تشنجات لاإرادية مثل نوبات اهتزاز ونوبات عنيفة يمكن أن تعالج وتدار اذا بذل الافراد والكادر التخصصي الفهم والاستيعاب لتلك الحالات، وأفضل علاج لمرض التوحد باعتباره ليس مرض وانما حالة فريدة تستوجب الاهتمام والمتابعة وطولة البال من قبل الاشخاص المتواجدين حول "المريض".
وكنوع من التوعية للأفراد عالمياً تم تحديد الثاني من أبريل (يوم أمس ) من كل عام يوماً لمرض التوحد، للإشارة إليه وتسليط الضوء عليه من أجل رفع مستوى الافراد عن مرض التوحد واهمية السرعة في استيعاب اسبابه ومعالجته، وفي عام 2010 أضاءه منظمة  Autism Speaks اللون الازرق على حملة للتعريف عن المرض والتوعية حوله، وانارة المباني البارزة حول العالم باللون الازرق تضامناً مع هذه الحملة، وأصبح اللون الازرق لون التضامن والتعريف عن مرض التوحد.
نحن بأمس الحاجة إلى حملات توعية عن مرض التوحد، فأغلب الافراد للأسف يجهلون عن المرض وأسبابه أو ما هي الحلول التي تساعد الأسر المعرضة أطفالهم إليه على التكيف داخل المنزل أو خارجه، كما أنهم بأمس الحاجة للاستماع إلى مطالبهم، بالإضافة إلى تقديم ندوات ودراسات متخصصة حوله، وطرح أحدث المستجدات العلمية والعلاجية في مجال التوحد، فنحن تنقصنا للأسف المراكز البحثية التي تعنى بتشخيص الحالات وطرق علاجها والتوعية حولها، مع ضرورة مشاركة خبرات عالمية من دول اخرى تساهم في خلق تواصل يساعد على سرعة تشخيص الحالة، ويجب على وزارة الصحة وضع احصائية تحدد نسبة انتشار مرض التوحد في السلطنة لاستيعابها وتشخيصها بصورة صحية ومرضية ومواجهة التحديات والصعوبات التي تواجهه، وتوفير كادر طبي متخصص قادر على التعامل واستيعاب وفهم مثل هذه الحالات، ولا يتم ذلك إلا بتوفير الجهود العلمية والعملية المدروسة.
ولتسليط الضوء حول مرض التوحد ستقام في الثامن والتاسع من هذا الشهر في معهد القضاء العالي بمحافظة الداخلية ولاية نزوى ندوة تعريفية عنه من قبل المديرية العامة للتربية والتعليم يحاضر فيها مجموعة من المتخصصين حول هذا المرض.

نشرت في جريدة الرؤية بتاريخ 3/ ابريل/2013



الأربعاء، 20 مارس 2013

الفن غلاف للمجتمعات الحية



" الغرض من الفن هو غسل غبار الحياة اليومية من نفوسنا" هذه عبارة للفنان العالمي بيكاسو ضمت في ثناياها لدور الأساسي الذي يلعبه الفن، فخلال آلاف السنين كان للفن دوراً في علاج وشفاء كثير من الأمراض أو المشاكل النفسية، فقد أشار الفلاسفة والأطباء إلى الأفراد المعرضين للأمراض نفسية بالتعبير عنها عبر الرسومات وبقية الفنون، مما أدى بالتالي مع مرور الوقت إلى شفائهم وتحسن نفسيتهم،  فالفن من ضمن أهم العلوم الإنسانية التي أثرت في الحضارات عبر التاريخ، كما أنه يلعب دوراً مهما في التنمية التعليمية للطلاب في الوقت الحالي، وهو ناقل ثقافي للمجتمعات والحضارات عبر التاريخ، كما أنه معني بالتعريف عن ماهية أفكار الإنسان، وأبعادها الجمالية، عبر توظيف قدراته الإبداعية في مجال الفن وكشف تلك المهارات، وعلى سبيل المثال عليه الموسيقى التي تطورت وأثرت في ثقافة المجتمعات خلال مراحل تاريخية مختلفة، حتى وصولها إلينا الآن، فالموسيقى توصل المشاعر والعواطف المتعلقة بالإنسانية, كما أنها تلعب دوراً حيويا بأن تجعل الحدث ينبض بالحياة والإنسانية، و ينشئ علاقة ودية بين الناس، وهي مقوم مميز لسلوك الإنسان نحو الأفضل.
الفن كان ولا يزال أحد الأعمدة لنشر الثقافات في المجتمعات، عبر توظيف الرسومات والموسيقى كنوع للدعاية لنشر فكره معينة في المجتمع، وتأثير تلك المجالات الفنية على توثيق لمحة جمالية صاحبت تلك الأفكار، ونتج عن تلك الأفكار تطور المجتمعات وتقبل الأفراد لها عبر الفنون المختلفة، نذكر هنا على سبيل المثال ثقافة الفن الكلاسيكي الذي لا يزال ملهم للكثير من ثقافات حتى الآن، فهو تيار فكري قديم مستوحى من الحضارة اليونانية والرومانية، لتصوير الآلهة القديمة أو الأسطورة عبر أدوات فنية كاللوحات والنحت والهندسة المعمارية، بخلاف الموسيقى الكلاسيكية التي لا تختص بالثقافة اليونانية أو الرومانية، فالموسيقى الكلاسيكية وصف لموسيقى الفن الغربي من القرن الحادي عشر فصاعداً، والتي ازدهرت كذلك في أوربا الغربية منذ وفاة الملحن الكلاسيكي باخ حتى ثلاثينيات القرن التاسع عشر، والفن هنا لعب دور بالإعلان عن التيار الكلاسيكي.
أثر الفن في مخيلة الأمم السابقة، فساهم في جلب الأفكار الجديدة والثقافات المميزة التي أسهمت في تفسير الأحداث التاريخية، فالفن يلمس ما وراء الفكر وإلى جوهر العاطفة الإنسانية عبر عين فنان قد يكون قادر على توصيل حقيقة العالم من خلال رؤيته، ولا يتم ذلك إلا عبر تنمية الإدراك البشري, فقدرتنا على التعبير عن أنفسنا عبر الفنانين والمؤرخين من خلال لوحة أو منحوتة أو موسيقى يمثل الجنس البشري في العالم، بما يمثله من طفرة لتطور السلوك البشري في مراحل حياته ووعيه، فالفن في العصر الحجري يبين القدرات البسيطة للوعي الذي يملكه الإنسان في تلك الفترة، وتنشيط الأعصاب الموجودة في الدماغ كونت الذروة في التحول والتطور البشري، فأجدادنا لم يكن لديهم الوقت أو المهارة الكافية للاستجابة السريعة للمؤثرات من حولهم ولكنها ساهمت في تحفيز تلك الخلايا العصبية، فالمتتبع للرسومات التي كانت في الكهوف يجد أن الإنسان رسم الحيوانات أو الأدوات التي يستخدمها، ومن ثم ظهور المنحوتات التي أظهرت التطور الدماغي له عبر إبراز الأعضاء التي توضح مرحلة الوعي التي وصل إليها دماغه، مثال عليه التماثيل التي ترمز للإخصاب والصحة والجمال، ومن ثم عبدوها كنوع من التعويذات الدينية ،وهي مرحلة متطورة تبين الأفكار التي يرتكز الإنسان عليها في تلك الحقبة، فمخيلة الإنسان القديم ومحاولته الجاهدة لتوثيقها في الكهوف أو عبر التماثيل  ساهمت في تطور دماغ الإنسان، فالعلماء عبر دراساتهم بينوا عبر بحوثهم واكتشافاتهم ودراسة الدماغ البشري ما للفن من قدرة في تنشيط مستويات الدماغ وبالتالي مقدرتها على الوعي والإدراك.
استشعار الفن لا يجب أن يكون فقط مجرداً بتقليد الفنون السابقة، لأن ذلك لا يساهم في توظيفه بطريقة صحيحة للوعي والإدراك لدى الأفراد، والمتتبع للتاريخ العماني والآثار الموجودة في عمان يلاحظ بأن معالم نشأة التاريخ الفني ضعيف أو غير متتبع ومدروس بصورة صحيحة ومرضية، أو قد تظهر بسبب تأثير العلاقات والأنشطة التجارية التي كانت تتم بين عمان وبقية الدول عبر التاريخ عن طريق تواصلها الملاحي، أو كتأثيرات  انثروبولوجية بينها وبين الحضارات المحتكة والمتصلة بها، وبالتالي نلاحظ جمود النشاط الفني الذي آثر في  تفعيل دوره بعد ذلك في المجتمع  بالوقت الحالي.
وبالتالي حاجتنا إلى مجتمع حضاري تنموي أفضل في الوقت الحالي عبر نشر ثقافة الفن ولا يتم ذلك إلا عبر العديد من الخطوات أهمها وصول الفن إلى الجمهور، ومن ثم وعي الناس في المجتمع لقيمة الفن ، والخطوة الأخيرة تظهر في مقدرة الفن على تحسين سلوك الأفراد، وكفكرة مقترحة من الممكن العمل بها هي عبر إشراك الأفراد في المجتمع إلى مشاريع مكثفة تتبناها الحكومة لاستهداف جميع الشرائح في حلقات دراسية تنشر الفنون بأنواعها، وعبر برامج للمنح الدراسية المختصة بتنمية الجانب الفني العلمي، وجعلها حافز لتنمية المجتمع، وبالتالي يسهم في زيادة الثقة بين الفرد والمؤسسات الحكومية، وخلق مهارات قادرة على تنمية المجتمع عبر فنون إنسانية مميزة، كما أنه يعزز الاتصالات الاجتماعية بين أفراد المجتمع، ويساهم في نشر الثقافة الفنية المحلية أو العالمية في المجتمع، فالفن أحد العوامل الرئيسة التي تسهم في تنمية المجتمعات، عبر المسارح والمعارض والسينما والموسيقى وغيرها من أنواع الفنون.

نشرت في جريدة الرؤية بتاريخ 20/ مارس/2013



الأربعاء، 13 مارس 2013

لا لسيطرة الصوت الواحد


ظهرت في المجتمع خلال السنة وفي الفترة الحالية تحديداً الكثير من الحركات التي أفرزتها مظاهرات الشباب المطالبة بالإصلاحات وضرورة التغيير والتحديث في آلية عمل بعض المؤسسات الحكومية أو غيرها من الجوانب العملية في المجتمع، وكل تلك المطالبات تبين لنا كيف من الممكن أن يكون صوت الحرية قادر على ابتداع وابتكار الأفكار المختلفة والخلاقة التي تسهم في إعادة تشكيل واقعهم بما يتناسب مع مستجدات الأحداث في العالم ومع ما يناسب تطلعاتهم المتجددة، ورغم ذلك فأن ثمة مؤثرات وعوامل أخرى قد تفرض نفسها أو تحدد السلوك الاجتماعي لفئات المجتمع المختلفة لتضعها في قالب معين وموحد، فتأثير الثورات لا يمكن التنبؤ بها في ظل المتغيرات الواقعة في البلدان التي انطلقت منها شرارة ثورة الربيع العربي، فأي حدث يحدث في الوقت الحالي بالمجتمع سرعان ما يصبح نداء وطني عام وشامل حين ينطلق من مجموعة قادرة على التأثير في المجتمع في طريقة منهجها.
الرؤية الحالية للوضع في المجتمع تشوبه الكثير من الغموض وعدم الشفافية خاصة بما يتعلق برغبات بعض الجماعات المطالبة بالتغيير، وخاصة في ظل قوة التأثير القبلي والمذهبي المتزايد في المجتمع، وقد يعتبر في علم الاجتماع ظاهرة صحية تبرز جميع الفئات التي لديها رؤية ثورية مطالبة بالتغير الايجابي أو السلبي للمجتمع، والذي قد نستطيع من خلاله تحليلها ودراستها ومعرفة الأرضية التي انبثقت منها، ولكن كرؤية فردية وخاصة بي أرى أن في تلك المطالبات السلبية تأثيرات سلبية طويلة المدى قد تؤثر من وضع المجتمع في الوقت الحالي وقد تفرض سيطرتها على الكثير من المنشآت أو الحياة الاجتماعية، فتلك المطالبات وخاصة بما يتعلق بغلق دار الأوبرا، والتي انطلقت من غلطة غير مقصودة اعتذرت عليه الدار بعدها، وضعت الحجة لمثل هذه الجماعات المتشددة من البروز في الساحة ومحاولتها الانطلاق نحو الرغبة بالتغيير في ما يختص بالفنون، فمنذ افتتاح الدار وهناك همسات من خلف الجدران تجد أن الدار منشأة لا ضرورة لها ويجب أن تتغير لتكون منشأة إسلامية بحتة لتعليم شرائع الدين، هذه الجماعة تطالب بمنع الآخرين عن ممارسة ما يحبونه، فكيف تكون هذه التغيرات إصلاحية للمجتمع؟
ربما منطلق هذه الجماعة سيكون منطقي بل سيطالب بها جميع من في المجتمع لو كان لا وجود للمساجد والجوامع في الوطن، ولكن أن تحاول فرض سيطرتها على منشأة مهمة وضرورية في المجتمع للتعريف بالفنون الموسيقية المحلية والعالمية فذلك تدخل في حريات الآخرين التي هي من حق الجميع قبل أن تكون منشأة حكومية خاصة، وأعزي أسباب هذا التفكير الخاطئ والسلبي لدار الأوبرا للنظرة الاجتماعية للموسيقى في المجتمع، فلا تزال الثقافة الموسيقية للفرد محصورة بالاستماع إلى الموسيقى والطرب عن طريق الإذاعة والتلفاز أو شراء الأقراص والأشرطة الموسيقية، فحتى الموسيقى الشعبية أو التراثية تنحصر لدى جماعة لا تختلط مع المجتمع كثيراً أو تظهر فقط في المهرجانات، وينظر إليهم للأسف نظرة دونية مقللة من مكانتهم، وعند الحديث عن البنية التربوية في الثقافة الموسيقية لدى المؤسسات التعليمية فنجدها كما أشرت سابقا عبر مقالي عن الموسيقى فهي فقيرة أو تكاد أن تكون معدومة، ومثل هذه النظرة السلبية للموسيقى تعزز من تأثير هذه الجماعة على رؤيتهم للفن عموما ولدار الأوبرا خصوصاً، فثقافة التسامح وتقبل الاختلافات وحريات الآخرين لا يجب أن تتأثر في ظل المطالبات بالإصلاح والتغيير.
كما أن من الملاحظ في ردة فعل الجماعة المطالبة بغلق الدار حول الاعتذار الذي قدمته الدار عن ما بدر من فعل فردي حسن النية، أن ثقافة التسامح بدأت في التلاشي وهذا وضع مقلق في ضوء الاضطرابات التي تحدث في الوطن العربي، فمن طبيعة المجتمع تقبل الاختلاف والتسامح الذي يعتبر من أهم ميزة المواطن العماني، ولكن رفض الجماعة ذلك الاعتذار وإصرارهم على غلق الدار يدل على أن المسألة ستأخذ منحنى حاد لا رجعة فيه، ويجب على المجتمع أن يدرك خطورة هذه الأفكار على وضعها بالمستقبل، وما نأمله من أية حركة تزعم الإصلاح هي أن تتحلى بالوعي ونشر الثقافة الرفيعة وتحترم حرية الفرد في اتخاذ قراراته، ولا يتم ذلك إلا بإيمانها بأن الوعي المعرفي والعلمي للجميع من أهم ركائز مناشداتها.

نشرت في جريدة الرؤية بتاريخ 13/ مارس/2013

الأربعاء، 6 مارس 2013

برنامج الخليج العربي للتنمية ( أجفند)


قدمت لي دعوة لحضور مؤتمر منظمة أجفند الذي أقيم في دولة الفلبين في العاصمة مانيلا، وهي منظمة إقليمية تنموية مانحة، مقرها مدينة الرياض في المملكة العربية السعودية، تأسست في عام 1980 برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير طلال بن عبد العزيز، ومن الملفت في هذه المنظمة الإنسانية المميزة أنها تعني باستدامة التنمية البشرية عن طريق تخفيف حدة الفقر ، وأن تتمكن الفئات الضعيفة (المرأة والطفل، وكبار السن، وذوي الاحتياجات الخاصة، والنازحون، واللاجئون) من ممارسة حقوقها في الحياة الكريمة اجتماعياً واقتصادياً في ظل التشريعات الوطنية والدولية التي تتناسب مع مجتمعها، وأن تتحسن ظروف معيشتها وأن تتوفر لها الخدمات الأساسية وتتاح لها فرص التعليم والرعاية الصحية والعمل، كما أنها تعني بنشر الأمن والسلام في المجتمعات البشرية.
وبهدف حفز وتشجيع الابتكار والإبداع في مجالات التنمية البشرية  تأسست في عام 1999 جائزة أجفند الدولية للمشاريع التنمية البشرية الريادية، للسعي على تركيز العمل التنموي لدعم مفاصل التنمية البشرية وتحقيق هدف الاستدامة والاستثمار في الإنسان في كل المجتمعات، وتعتبر هذه الجائزة الأولى من نوعها التي تركز على اكتشاف المشاريع التنموية الناجحة، وتسعى إلى تكريمها وتمويلها والتعريف بأفكارها وابتكاراتها الإبداعية التي تساهم في تطوير العمل التنموي، فجائزة أجفند للمشاريع تعمل على البحث عن العوامل الرئيسية التي تعوق العملية التنموية وتؤثر على المجموعات الضعيفة وبصفة خاصة النساء والأطفال في الدول النامية. وهذه تشمل الفقر، والإقصاء الاجتماعي، والتهميش الاقتصادي الاجتماعي والتعليم والصحة.
جائزة أجفند للمشاريع التنموية تلقي الضوء على التجارب والخبرات التي لم يسبق التطرق إليها من حيث تركيزها على تفعيل دور الإنسان العملي وتطبيقه على أرض الواقع كمساهمة منه لخدمة مجتمعه، فهي تقترح لكل عام موضوع الجائزة التي يجب أن تركز عليها في البحث عن المشاريع المميزة والمبدعة، على سبيل المثال موضوع الجائزة في عام 2010 كان حول دور المنظمات الأممية والدولية في دعم وتعزيز سياسات الدول النامية وبرامجها لتنمية المجتمعات النائية والريفية من خلال تقنية المعلومات والاتصالات، الفائز الأول في هذا الموضوع كان البرنامج المتكامل لتطوير واحة سيوة ( في مصر ) باستخدام تقنية المعلومات والاتصالات (تم اختياره فائزاً من بين 5 مشروعات )، وواحة سيوة تعتبر منعزلة لصعوبة الوصول إليها بسبب وجودها في منطقة صحراوية، . ودعم هذا التعاون الأنشطة التنموية للقضاء على الأمية من خلال تدريب المجتمع وتنظيم حملات التوعية الصحية فضلاً عن تعزيز العيادات المحلية وتشجيع خدمات بوابة المشاريع الصغيرة والمتوسطة للمجتمع، وهناك المشاريع الفائزة لعام 2012 التي كان موضوعها في مجال ( الأمن الغذائي للفقراء) فاز مشروع حصاد المياه بجائزة الفرع الثاني ( 150 ألف دولار)، المخصصة للمشروعات التي نفذتها الجمعيات الأهليـة في مجال ". جهود الجمعيات الأهلية في تطوير مهارات الفقراء وقدراتهم لزيادة إسهاماتهم في أنشطة الأمن الغذائي في المجتمعات الفقيرة، المخصص لمشاريع الجمعيات الأهلية)، وقد نفذته في جمهورية الهند جمعية تطوير العمل الإنساني، وبالنسبة إلي يعد هذا المشروع من المشاريع الملفتة التي ركز على حصر مياه الأمطار وتجميعه والاستفادة القصوى منه، وبذلك فأن المشاريع تخلق إبداعات إنسانية لم يتلفت إليها أحد مسبقاً وطورت من القدرات العلمية في الاستفادة من العناصر الطبيعية لتنمية الوضع البشري.
كما تم خلال المؤتمر الذي أقيم في الفلبين إعلان  اللجنة موضوع الحد من ظاهرة أطفال الشوارع) لجائزة (أجفند) في العام 2013م، والذي سيساهم في البحث عن المشاريع التي ستجد حلول للحد من هذه الظاهرة، وأنا في شوق لمعرفة الابتكارات التي ستخلق في عالم المشاريع لتنمية هذا المجال، فمسألة اختيار المشاريع الفائزة تمر على لجنة تضم عدد من الشخصيات العالمية البارزة  وهم : السنيورة مرسيدس مينافرا دي باتلي، السيدة الأولي سابقا في الأورجواي ورئيس جمعية الجميع من أجل أورجواي والرئيس الفخري لعدد من الجمعيات التنموية في اورجواي، البارونة إيما نكلسون ، عضو البرلمان البريطاني، والمؤسس ورئيس جمعية أعمار الدولية الخيرية، معالي الدكتور أحمد محمد علي ، رئيس مجموعة البنك الإسلامي للتنمية ، البروفيسور محمد يونس، الفائز بجائزة نوبل للسلام 2006م مؤسس بنك غرامين، ورئيس مركز يونس، ، والدكتور يوسف سيد عبدالله المدير العام السابق لصندوق أوبك للتنمية الدولية.
ضخامة العمل الإنساني لهذه المنظمة استرع انتباهي لعدم توافر التغطية الإعلامية في الدول العربية عموما والدول الخليجية خصوصا، بالرغم مما تقدمه من مشاريع تسهم في التنمية البشرية وتساعد على خلق مشاريع تقلل من المخاطر والصعاب التي تواجهها الفئات المستضعفة في المجتمعات العالمية عموما، ونحن بحاجة للبحث عن المشاريع ألابتكاريه التي من الممكن أن تكون أحد المشاريع الممولة والفائزة في هذا المنظمة الإنسانية بحق، فتحية كبيرة ملؤها احترام وتقدير لا يضاهي للقائمين على المنظمة وعلى رأسهم سمو الأمير طلال بن عبد العزيز.

نشرت بجريدة الرؤية بتاريخ 6/ مارس/2013




الأربعاء، 20 فبراير 2013

لا للتستر على العنف



يتعرض كثير من الاطفال لسوء المعاملة " الجسدية والنفسية " من قبل الأهل أو من قبل الآخرين حولهم، فسوء المعاملة قد يحدث في المنزل أو المدارس أو في المجتمع القريب من الطفل، وتتمثل صور تلك الإساءة بالإهمال أو العنف الجسدي أو النفسي أو الاعتداء الجنسي، وتشير الاحصائيات إلى أن أكثر من 5 أطفال يموتون كل يوم نتيجة لإساءة المعاملة، وحوالي 80% نسبة الأطفال الذين يموتون تحت سن 4 سنوات، كما أن الاساءة للأطفال يحدث لدى كل المستويات الاجتماعية والاقتصادية، مهما كانت الاختلافات الثقافية والعرقية أو الدينية في المجتمع أو لدى الافراد، وسأحاول في هذا المقال أن اسرد عواقب سوء المعاملة والاهمال على نفسية الطفل حتى سن الرشد.

رعاية الاطفال تتطلب الكثير من العوامل التي تساعد على تنشئة الطفل بطريقة صحيحة وصحية، وليس بكثرة الانجاب الاطفال بل بالطريقة التي يتم خلالها تربيته والمساهمة في تعليمهم وخلق فرد قادر على التعامل مع الحياة بدون اساءة أو عنف، فكثير من العنف الموجه ضد الاطفال اسبابه اقتصادية، واقصد هنا عدم مقدرة الاسرة على توفير الرعاية المادية للطفل، مما تؤدي إلى حالة هستيرية من الغضب سواء من قبل الأب أو الأم الذي سيصب ويفرغ شحنات الغضب في الطفل، وكذلك  من ضمن اسباب العنف ضد الأطفال النظرة الخاطئة التي تتبعها بعض الثقافات في المجتمعات العربية على أن الضرب أحد طرق التربية، فيقع الطفل تحت وطأة ولي أمر يقوم سلوكياته بممارسة العنف ضده والاساءة إليه بالضرب كعنف جسدي أو بالتهديد والتخويف كعنف نفسي، وهناك كذلك العنف المورث من العادات القديمة مثال عليه ختان البنات الذي يعد من أخطر أنواع العنف التي تتعرض له الفتاة في صغرها ويؤثر كثيراً على حياتها في المستقبل بعد ذلك، وهناك دراسة تؤكد أن الاسر التي تكون نسبة المشاكل متزايدة يتعرض اطفالها للعنف والاساءة، وأود أن أضيف أن الزواج في سن الصغير من قبل الأم أو الأب يؤدي بصورة غير مباشرة إلى العنف للأطفال حين لا يكون الأهل قادرين بوعي في تربية الطفل بصورة صحيحة وعدم وعيهم بالاستراتيجيات والمهارات لتنشئة الاطفال  ، كما أن المشاكل النفسية التي تعرض لها الرجل أو المرأة قبل الزواج أو بعد الزواج قد تكون عامل في الاساءة للطفل.

التأثيرات النفسية للإساءة للأطفال تؤثر بشكل كبير في مجريات حياته في المستقبل، فهناك دراسة لدى العيادات النفسية في أن أحد أسباب الانتحار تكون غالبا بسبب العنف في الصغر، فأثر الاعتداء للأطفال قد يكون من ضمن الاسباب الرئيسة للانتحار، وكذلك قد تؤثر الممارسة العنيفة ضد الطفل على ظهور ممارسة العدوانية لديه مع من حوله أن لم يتم علاج هذه الحالة، أو يصبح فرد ضعيف الشخصية لا يقوى الدفاع عن نفسه، ومن ضمن أخطر التأثيرات للمعرضين للعنف التجاؤهم لتعاطي المخدرات وأدمنهم، وبالتالي أنتشار المدمنين عليها في المجتمع.

وهناك التأثيرات الجسدية للإساءة التي تؤدي غالبا إلى عاهات عقلية ونفسية لدى الأطفال تستمر معهم طوال حياتهم، وتظهر صور بعض من تلك الاساءات الجسدية التي تؤدي للإعاقة العقلية لدى بعض طلبة ذوي الاحتياجات الخاصة في المدارس، أو اهمال الاسرة الذي يؤدي إلى حوادث تؤثر على حياة الطفل الصحية والجسدية، والاساءة الجنسية التي تمارس ضد الطفل وكثيرا ما يغض الطرف عنها بسبب عدم المبالاة بسبب المفهوم الخاطئ لمنع الحديث عنها، وبسبب الاهمال الاسري من قبل العائلة، وعدم ثقة الأب أو الأم بحق الدفاع عن طفلها، وبالتالي تؤثر تلك الإساءة الجنسية للطفل في كل مراحل حياته متمثلة بالخوف وانعدام الثقة بالمجتمع و الكآبة، وعدم مقدرته على الدفاع عن نفسه بالمستقبل أن لم يتم علاج تلك الحالة.

وبمناسبة الحديث عن العنف ضد الاطفال فقد أقيم في السلطنة بداية الاسبوع مؤتمر الطفولة الاول الذي أخرج بتوصيات تركزت على توفير رعاية صحية للأطفال وإنشاء مراكز ترفيهية للأطفال، والتشجيع على استخدام التكنولوجيا في المدارس، ودعم الاطفال الموهبين، وكذلك كان أحد أهداف المؤتمر تعزيز جهود الجمعيات الأهلية والقطاع الخاص للمشاركة الفعالة في مجال حقوق الطفل، وكل ذلك يشكر عليه أن تم المسارعة بتحقيق تلك التوصيات بجدية، ولكن المؤتمر أغفل العنف الممارس ضد الاطفال في المجتمع، وتحديداً العنف والاهمال الذي يحدث من قبل الأسرة، فما هي التوصيات المتوجب المسارعة بتفعيلة والسير على تحقيها حول هذا الأمر؟ وما هو دور لجنة الشؤون الاجتماعية للحد من هكذا عنف يمارس ويؤدي بصورة سلبية لخلق فرد منعدم الثقة ومهضوم حقه وحريته في الدفاع عنه، نحن بحاجة إلى تدخلات لمنع ازدياد العنف والاساءة للأطفال، ووجوب مراقبة المؤسسات التعليمة للأطفال الذين تعرضوا للعنف والوقوف حول أسبابها وعلاجها، ووجود لجان تهدف إلى خلق حوار بين الوالدين والطفل للوصول لحل تلك الأزمة ومنع استمرارها ومحاسبة الأهل الذين يعرضون اطفالهم للإهمال أو العنف الجسدي أو النفسي، كما يجب عدم التغاضي للحالات التي تصل إلى المستشفيات للأسباب التي أدت للعنف والتي تظهر على جسد الطفل، بل يجب تفعيل لجان لمحاسبة الاهمال والاساءة الواقعة في الطفل.

المجتمع الذي يهمل محاسبة الاهمال والاساءة للطفل غالبا ما يكون مجتمعاً منعدم الثقة في قوانينه ويخلق أفراد ينقصهم الابداع والقدرات المتميزة في ظل بيئة غير صحية لنمو الطفل وبالتالي تؤثر على الفرد الراشد بعد ذلك، كما تخلق فرد تهتز ثقته بنفسه وتؤدي إلى ظنه الدائم إلى أن أسباب ممارسة العنف بحقه مشروع بسبب عدم وجود قوانين تطبق لإيقاف ومنع الاساءة إليه في طفولته، وفي الاخير فالعنف الاسري ليس مبررا وغير مقبول بتاتا لتربية الاطفال مهما كانت الأسباب.
 
مقالي المنشور بجريدة الرؤية بتاريخ 20/ فبراير/ 2013

 

 

 

 

 

الأربعاء، 13 فبراير 2013

التوثيق القانوني للمعاملات الاسرية دليل الحرية والمساواة



 

الزواج والطلاق في المجتمعات التي تستمد قوانينها من الشرائع القديمة تعتمد على التلفظ الشفوي، وذلك ملحوظ بشدة في مجتمعنا الذي يعتمد على هذه الشرائع، فلو بحثنا عن أساسيات العلاقة الزوجية في المجتمعات التي تستمد قوانينها من القوانين  القديمة والعادات والتقاليد - وليس بانضباط  القوانين بما يتماشى مع الحاضر وما يستجد من التطور والحداثة في الحاضر والمستقبل - نجد أن الزواج كان ولا يزال يتم بدون موافقة المرأة لدى بعض الاسر، وهي الطرف المهم في الشراكة الزوجية، و قد لا يتم الأخذ بعين الاعتبار رأيها في تأسيس هذه العلاقة التي ستسمر لسنوات وليست بصورة اعتباطية، فنجاح وتطور الأسرة في المجتمعات من أساسيات المجتمع المتطور والحديث والحر، الذي يرى في الأسرة مجتمع صغير قائم على القوانين لحفظ حقوقه من أجل المرور بمطبات الحياة في أمان.

حين نلاحظ في الشريعة الاسلامية نجد أن القوانين تركزت في الميثاق على التعاملات المادية فقط ( اي الاموال)، فهناك آيات واحاديث مستفيضة حول الدين والبيع  {إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ}، والمقصد هنا من كتابته وتوثيقه حتى لا تضيع الحقوق، ولكن ماذا عن أهم شراكة في المجتمع وهو الزواج وتكوين الاسرة، الذي وضعت التشريعات الدينية طريق الانفصال عنه هو الطلاق بالتلفظ الشفوي كمبدأ أولي واساسي، وهذا يخالف كون الزواج رابط مقدس تملؤه السكينة والطمأنينة والمحبة، وتركته بعد ذلك بأيدي الشيوخ يفتون فيه بحسب منظورهم الفقهي الخاص، ومن ثم فأن ألية الطلاق تهمش دور المرأة وكأنها كائن لا وجود له ولأهمية لرأيها ودورها المهم في الأسرة، فتضيع حقوقها حالما يتلفظ الرجل بكلمة " طالق " وتصبح المرأة مطلقة ينبذها المجتمع مباشرة، بسبب أحقية الرجل في التحكم باستمرارية ذلك الزواج أو عدمه، وترجع اسباب ذلك إلى طريقة الزواج الذي قد يتم بدون موافقة المرأة كما أشرت في البداية، فلو كان الزواج يتم عبر قوانين واضحة ومساواة لكلا الطرفين لقلل من المشاكل التي تحدث في الحياة الاسرية كثيراً، ويتبعه بالتأكيد توثيق الطلاق بالأوراق بحيث لا نترك المجال للحالات النفسية التي يمر بها الزوج لهدم مشوار حياة قائمة على اسرة، فالمرأة يجب أن يأخذ بعين الاعتبار برأيها في مسألة الطلاق مثلما يأخذ رأيها في مسألة الزواج، فمن غير المنطقي والمعقول أن يترك أمر تحديد استمرارية الأسرة في كاهل الرجل فقط، وحينها يجب أن نضع قوانين معينة بحيث لا تضيع حقوق المرأة وابنائها بيد رجل تلفظ في لحظة بكلمة طالق، فالتوثيق يترك المجال للوعي وتحديد ايجابيات وسلبيات الحالة ومن تترك فترة من الهدوء قبل مرحلة الانفصال، كما أنه تقلل من المشاكل والصراعات التي تحدث بشأن الوصاية بالنسبة للأطفال حين الاطلاع للقوانين المتبعة بعدها.

ومن الملاحظ في حالات الطلاق الشفوي لدى بعض الازواج لا يعلمون هل تلفظها بصورة صحيحة أو غير صحيحة ، وبذلك ندخل في مطب اللغة وغيرها من تعقيدات لغوية، كما أن الرجل يجب أن يجلب شهود لتلفظه بتلك الكلمة أمام زوجته، ويجب عليه أن يذكر تحديد كيف نطقها وكما مرة وما هي الحالة التي مر عليها اثنائها، وتصبح حياة اسرة في ظرف لحظة بالهاوية لأن الطلاق وقع بصورة شفهية غيبت التفكير والهدوء قبلها، وبالتالي يندم الزوج حينما يتلفظ ثلاث مرات بكلمة طالق وبالتالي كي يتمكن من ارجاعها يجب عليها أن تتزوج رجلا غيره ومن ثم اذا رغب الرجل الاخر بتطليقها تذهب إليه، وكأن تلك المرأة لا رأي لها في الشأن الاسري ، أو كأنها من كماليات المنزل حين تقسيم، ولذلك يجب أن يكون التوثيق القانوني المعترف به وليس التلفظ الشفوي اللحظي، كي تحفظ الحقوق وتترك المجال للرجل والمرأة بإعادة حسابتهم سواء بالاستمرار أو الانفصال عن تراضي وبشكل قانوني.

في الوقت الحالي أصبحت المرأة مساهماً في مدخول الاسرة، ولم يعد الامر منوطاً على الرجل في المشاركة المادية، وغالبا ما يبحث الشاب الآن عن الزوجة العاملة التي تساعده وتخفف عنه من الضغوط المادية الذي تحدث في الحياة، فبناء البيت المشترك الذي يحتويهم أصبح من كلا الطرفين، وتربية الاطفال غالبا ما يكون من قبل الزوجة، فالشؤون الاسرية والمادية تقاسمته المرأة مع الرجل، لوعيها بضرورة دفع عجلة التنمية حالها من حال الرجل في المجتمع، وبالتالي يجب أن توضع قوانين تحفظ وتحمي المرأة من غياب حقوقها في حالة الطلاق والانفصال، ويؤخذ الطلاق الموثق بالقوانين الطريق الصحيح والصحي من أجل وضع الاسرة القادم، كما أن الطلاق الموثق يصون المرأة المطلقة ويحفظها من ألسنة الجماعات التي لا عمل لها سوى التعرض للآخرين بسوء الالفاظ والافعال.

كثير من النساء تتعرض للعنف في الحياة الزوجية ، وترفض الطلاق لانعدام الاستقلال المادي، أو تخشى الرجوع إلى بيت أهلها بسبب الخشية من ردة فعلهم لرجوعها إليهم مطلقة وخاصة في ظل سوء الوضع المادي لدى عائلتها، وكذلك خوفا من كلام الناس الذي يعرضها لمضايقات حتى موتها لأنها تعتبر اجتماعيا وعرفيا هي السبب في الانفصال بسبب قوة وضع الرجل في المجتمع، وهناك من الرجال من يعتبر ضعف المرأة من الطلاق اسلوب تهديد يمارسه معها، فيهددها بمقدرته على تطليقها بكلمة واحدة، وهكذا لأن الطلاق لم يبنَ من الاساس على التوثيق، ولم يكن في صف المرأة خاصة حينما تطلب هي الطلاق، فيتحكم الرجل بحريتها ويتركها معلقة " لاهي متزوجة ولا هي مطلقة" كنوع من التحكم في مصيرها، وكثيرا ما يمنعها من رؤية أولادها بعد الطلاق.

نحن بحاجة إلى قانون يحمي المرأة والاسرة ويضمن حقوقها المادية والمعنوية، بالاعتماد على الطلاق الموثق وليس اللفظي لإنهاء العلاقة الزوجية، ويكون بالاتفاق من كلا الطرفين على الطريقة التي يصون فيها حقوق المرأة وحقوق الاسرة،  ويعترف بالمرأة كشريك أساسي في العلاقة الزوجية والاسرية.
 
مقالي المنشور بجريدة الرؤية بتاريخ 13/ فبراير/2013

 
 

الأربعاء، 6 فبراير 2013

الكسل والعمل


 

خلال الأسبوعين الماضيين استمتعت كثيرا بالكسل، وأقصد به الكسل الكتابي الذي أوقف رغبتي بكتابة المقالات لمدة أسبوعين، وجعلني أحاول الاستمتاع قدر الامكان بعبث التفكير بدون الكتابة، وعدم الرغبة بتوثيق ما يحدث في المجتمع لفترة محدودة من الزمن، فحينما تحتك بالمجتمع كثيرا تفقد الاستقلالية وتفقد ذاتك، وأقصد بذلك هنا رغبتي بالكتابة، فالانعزال للكتابة له كينونته الخاصة التي تفقدها حالما تفتح باب للولوج إلى العالم.

 وعلى سبيل المثال حول الكسل أخص بالذكر هنا الكاتب الفرنسي من أصل مصري ألبير قصيري- الذي اقام في فرنسا وجميع روايته باللغة الفرنسية- فيلسوف الكسل أو كما يحلو للبعض تسميته بإله الكسل، فألبير لا يعتبر الكسل رذيلة وإنما دافعاً للتفكر والتأمل، فالنسبة إليه هناك القليل جدا من العيون التي ترى الجمال في العالم وتتأمله وتتفكر به، كما أن ألبير أعتبر العمل الذي دافعه المادة فقط تفقد الإنسان قيمته ويصير عبداً لها، وحين سؤاله لماذا تكتب اجاب أنه لا يعرف عمل شيء سوى الكتابة، وبحسب التصنيفات فأن رواياته في الغالب ترتبط بالكسل كفلسفة وجودية مرتبطة بالإنسان، ففي رواية "كسالى الوادي الخصيب" شخصيات الرواية لم تغادر المنزل ابداً، ويرى ألبير أن عيشه في سان جريمان ساعده في الكتابة لعدم مقدرته على العيش في حي هادئ وكما أن حي سان جيرمان وفر له جميع حاجياته، وأرى هنا أن ألبير قصد من الكسل هو الرغبة بالانعزال عن العالم وعن ترف المادة من أجل الكتابة الذي أسهمت في التأثير على الفلسفة التي كان يتبناها وهي فلسفة الكسل، وفلسفة الكسل الذي يقصدها ألبير توحي بالبساطة والوضوح، وتجلب الصفاء الذهني للذين يعرفون كيف يعيشون، أو بمعنى البطالة من أجل التفكير، من وجهة نظري فأن الذي يتبنى هذه الفلسفة في الوقت الحالي يجب أن يتماشى المجتمع مع هذه الفكرة، فالكسل من أجل التأمل والكتابة يحتاج كذلك لمصانع من أجل جلب الادوات الكتابية وتجهيز المكان من حولنا بما يساعد رغبتنا بالانعزال لأجل الكتابة والكسل لأجل التفكير.

ومن ضمن الكتاب كذلك الذين امتدحوا الكسل واثنوا عليه الفيلسوف والناقد الاجتماعي برتراند راسل، في كتاب " في مديح الكسل "، فقد قدّم برتراند راسّل في كتابه ملاحظة: "إنّ الاعتقاد بأنّ العمل فضيلة هو سبب شرور عظيمة في العالم الحديث، والطّريق إلى السّعادة والرّخاء يمرّ عبر التّخفيض المنظّم للعمل". فالتّقنية وتقدّم الإنتاجيّة يمكن أن يسمحا لنا بالتخلّص من العبوديّة عبر التّقليص الجذريّ لوقت العمل" فقد اعتبر برتراند العمل حينما يتسلط على راحة الجسد والفكر كالإنتاج الغير المجدي أو كالاستعباد، وذلك ما حاول طرحه وشرحه في كتابة بعد أن لاحظ أن عدد ساعات العمل في المصانع قد زادت وأثرت في طريقة التفكير لدى العمال من حيث الفكرة المادية البحتة في المنتوج، فبالنسبة لـ برتراند ألاّ نعمل، لا يعني بالضّرورة ألاّ نفعل شيئا، بل أن نفعل شيئا آخر، وما يقصده هنا راحة النفس والجسد لأجل الإنتاج الفكري.

الكسل في كل ما سبق ذكرته في الاعلى كفترة نقاهة يحتاجها فكر الإنسان كي يعيد ترتيب أولوياته ويساهم بالإنتاج بطريقة مبدعة ومميزة، كما أن الكسل لدى هؤلاء الكتاب كان في مجتمع يعترف بحرية الإنسان الذي يعتبرها أهم مفتاح لأجل إنتاجية المجتمعات المدنية، ولكن المعتقدات في مجتمعنا أعتبر الكسل أحد أكبر الرذائل، وأعتبر العمل عبادة، ومع هذا للأسف فأن أغلب الأعمال التي في المجتمع تأتي من باب عدم الرغبة ولكن مرغماً، فالإنتاجية هنا غالباً لا يميزها شيء، وانتفى منها الابداع الذي لم تؤججه البيئة العملية، وأغلب الموظفين أنوجدوا في أعمالهم من أجل الراتب في نهاية الشهر لا أكثر، وأصبحت بيئة العمل غالباً مترعاً للكسل السلبي، وأقصد بالكسل السلبي في هذه الحالة العمل المرغم عليه والذي يستعبد الإنسان ولا يساهم في التميز، وليس الكسل الايجابي كنقاهة من أجل العودة بعدها للإبداع الحر ، بل أصبح أسلوب حياة في مجتمع البيئة العملية لدينا، فقد نشأ الافراد على ذلك منذ الصغر حتى الوصول إلى المراحل الدراسية، التي في الغالب سيركز فيها الطالب مع ما يتناسب من مخرجات الوظائف التي سيوفرها المجتمع له بعد ذلك، ونعيد أنتاج الكائن المستعبد للعمل الكسول والغير مميز، وهذه الحالة أشبهها بما ما كان يحدث في فترة التاريخ الروماني حيث أن من كان يقوم بالأعمال الشاقة هم العبيد، ومن كان يقوم بالأعمال الفلسفية والفنية وغيرها من الاعمال الفكرية هم من الاحرار ، فقد كانوا يعتبرون العمل الشاق للمستعبدين، والاعمال الحرة التي تحتاج لتفرغ للأحرار، وما يحتاجه المجتمع هو فترة طويلة كي يعيد تنظيم النظرة الخاصة لفردية الفرد من أجل ذاته، ومن أجل فهم البيئة النفسية المنتجة في المؤسسات الجماعية، فالوضع الحالي لا يزال بعيدًا عن الخبرة الراغبة بالتميز في المجالات الفكرية العلمية والعملية لدى الافراد.
 
مقالي المنشور بجريدة الرؤية بتاريخ 6/ فبراير/2013

الأربعاء، 16 يناير 2013

مدخل إلى الوعي البشري



الدماغ هو الجهاز الأكثر تعقيداً في جسم الإنسان، وهو المتحكم الأساسي بكل جزء فيه بواسطة انسجة عصبية شديدة الحساسية ترسل إشارات إلى اجزاء الجسم بالعمل المحدد الواجب القيام به، فهو المتحكم الرئيسي بكل خلية من جسد الإنسان، كما أن الدماغ هو المحفز الرئيسي للتفكير، وكلما مارس الدماغ التفكير واستنباط المعلومات والبحث والتفاعل مع العلم والعالم من حوله كلما ساهم ذاك في تحسين وظيفة الدماغ، مثلها مثل ممارسة الرياضة البدنية، فالجمود الفكري يؤدي تدهور عمل الدماغ ويسبب فقدان للذاكرة والمهارات الحركية والخمول في كل اجزاء الجسم وبالتالي تدهوره وعدم مقدرته على التفاعل مع مجريات الحياة من حوله.
القيمة المعرفية للدماغ تتجدد وتتطور ويتم تعديلها عن طريق العلم والبحث، ولا يتم ذلك سوى بالوعي، والوعي نابع من داخل الذات بإدراك ما حولنا وتحليله بصورة صحيحة في داخلنا، وبحسب سيغموند فرويد (مؤسس علم التحليل النفسي) فالعقل الواعي يُكون كل شيء داخل وعينا، هذا إلى جانب معالجته الجوانب العقلية في طريقة التفكير والتحدث بصورة عقلانية، فالعقل الواعي يشمل الأحاسيس والتصورات والذكريات والشعور والخيال واستخلاص الافكار منها، وحين يقمع الإنسان الاشياء ويرغب بأن تكون مخفية أو مكبوتة تذهب إلى العقل اللاواعي، فتتركم المشاعر والافكار بداخل العقل اللاواعي، مما قد يكون لها تأثير على سلوكه، كما أن العقل الواعي يكون مسؤول عن جزء من العملية اللاإرادية من الحركة بداخل جسم الإنسان على سبيل المثال: العقل الواعي يوازن ضربات القلب بصورة طبيعية ومنظمة.
ساهم العقل الإنساني الواعي على التطور الحضاري في الكون، وتلك المساهمة تطورت في خلال مراحل وسنوات طويلة حتى وصل الدماغ البشري إلى ما هو عليه في الوقت الحالي من الوعي بالأدوات من حوله، فإنسان الكهف في السابق لم يكن حجم دماغه بمثل ما هو عليه حجم دماغ الإنسان في الوقت الحالي، كما أن المدارك والأدوات والوعي والمعرفة كانت شبة منعدمة لديه، ولكن التطور والتغيير ساهم في خلق تواصل معرفي في الدماغ وتحديدا في العقل، فالعقل لا ينمو في الجمود وإنما تصيبه حالة من الاعاقة الفكرية، كما أن الإنسان الأول بحسب الدراسات والبحوث لم يتطور دماغه بمثل ما عليه الآن ومسألة الإدراك والوعي واللاوعي مرت بمراحل وسنوات طويلة حتى وصولها في الوقت الحالي بمثل ما عليه الآن ، فالتطور والوعي وسيادة الحياة الاجتماعية للبشر ساهمت في إنتاج اختلافات فكرية وعلمية هائلة قابلة للتطور والتغيير واختلافات حضارية مختلفة بحسب البيئة التي يعيشها فيها الإنسان، وبالإمكان رؤية تلك الاختلافات بين إنسان متعلم في مجتمع مدني، وإنسان جاهل في مجتمع قروي، كما أن حاجة الإنسان الأول للبقاء والتكاثر في المجموعات الكبيرة من أجل الاحساس بالأمان ساعد على تطور مقدراته الفكرية، و تلك الجماعات الكبيرة ساهمت بخلق تعقيدات تمثلت في محاولة فهم مشاعر الآخرين (من ألم أو فرح) وأفكارهم وابتكرت اللغة من أجل التواصل مع افراد الجماعة الواحدة ،وبالتالي نمو الذكاء البشري، فالذكاء خوله بأن يبحث عن مهارات تجنبه المرض ويبحث عن مصادر الغذاء، وظهرت الصفات النفسية التي قسمت النفسيات ووضعت المصطلحات، فأصبح الإنسان كائن مفكر.
وعي الإنسان جعله يحاول ابتكار طرق مختلفة تعزز من صلاته بالمحيط من حوله، فحاول فهم الطبيعة التي كانت بالنسبة إليه قوة مخيفة قادرة على آذيته بسبب ضعف التواصل والوعي والعلم مع ركائز تلك الطبيعة، فوضع معتقدات وفرضيات بحسب الأدوات المتوفرة لديه من أجل التطور والتقدم، وتعلقه بالجماعة ساهم بنشر تلك الأفكار، بالسيطرة عليها أو بمحاربتها أن كانت لديه القوة لذلك، وتلك كانت أساسيات صنع التاريخ والحضارات البشرية.
في الوقت الحاضر تطور الوعي وظهر مصطلح الوعي العلمي في العقل الإنساني فأصبح يبحث عن مداركه بمفهوم علمي يقرأ الطبيعة بطريقة يبتعد عن محاولاته السابقة للسيطرة عليها، كما شكل الوعي بالتقدم العلمي والتكنولوجي أهم منطلقاته ،  فالبحوث العلمية والدراسات الحالية تساهم في محو الأمية العلمية وتكشف أسرار الكون على أسس ومقياس ومنهاج علمي، وكيف تكونت الحضارات البشرية والدين والفن والفلسفة وغيرها من مظاهر التطور الإنساني عبر التاريخ، كما أن الوعي العلمي ساهم في زيادة الوعي العام للحرية وخلق مجتمعات تبنت التفكير العلمي عززت من الثقة بين أفراده بما تحمله من أفكار علمية أزالت الأوهام والخرافات وساهمت بتطور مدركات الإنسان والدفاع عن حقوقه وحرياته، فهذا الوعي أجاب عن أسئلة كانت في السابق من المحظورات أو بسبب الجهل في معرفة الإجابة عنها ولكن بوجود التجارب العلمية مع الوعي ساعد على الكشف عن ذاك الغطاء الذي كان يحاول الإنسان اخفائها بسبب الخوف منها وبسبب قوة الأوهام التي خلقها.
وفي الأخير فأن التدرج في الوعي الإنساني حتى الوصول إلى المدارك العلمية سيخلق حضارة وإنساناً جديداً يتبنى المصادر العلمية الموثوقة لبناء أساسيات معارفة.

نشر بجريدة الرؤية بتاريخ/ 16/ يناير/2013




الجمعة، 11 يناير 2013

الفن التشكيلي في المجتمع



الرسم من أقدم الفنون التي مثلت البشرية ونقلت رسالتها قبل استخدام الكتابة لتوثيق التاريخ، حيث ترك إنسان الكهف في العصر الحجري القديم رسوماته على جدران الكهوف أو على جلود الحيوانات التي يصطادها، فكانت تمثل أدواته في تلك الحقبة من التاريخ، فرسم الحيوانات والنباتات التي من حوله باستخدامه للفحم أو الدم أو بالنحت على صخور الكهف التي كان تتوافر أدواتها من الطبيعة، وكانت تلك الرسومات تمثل الواقع البسيط للإنسان العاقل كعلامات رمزية للأدوات التي كانت تتوافر لديه، وهي كانت بعيدة عن الفن بقدر ما كانت أسلوب كتابة، ولا يزال علماء التاريخ لا يعرفون الأسباب الرئيسية التي جعلت إنسان الكهف يضع تلك الرسوم في الصخور أو الكهوف والجلود أو ماذا كانت تمثل لهم تحديداً. كما زين قدماء المصريين (الفراعنة) في جدران معابدهم وقبورهم مشاهداتهم في الحياة اليومية، التي أظهرت مهارتهم في النقوش الزخرفية البديعة، وتطور الرسم بعد ذلك مع مرور التاريخ حتى الآن بحسب ثقافة المجتمع المختلفة، فكل ثقافة وجدت عبر التاريخ كان للرسم الدور في قراءتها ومعرفة طبيعة تلك الثقافة وأسلوبها التي تركها الإنسان في جذوع الأشجار والجلود والمعادن، ومن ثم في المعابد والقصور، حتى حل الورق محل تلك الأدوات في العصور الوسطى، الذي كان أول ظهور له في الحضارة الصينية ثم انتقل إلى أوربا، وبالتالي زاد من إنتاج الرسومات الورقية وازدهار الفن التشكيلي.
تطورت الحاجة إلى الرسم مع مرور التاريخ، فأصبح الرسم من الفنون المميزة التي يستطيع الإنسان التعبير به عن مجتمعه وذاته، وأنشأت مدارس للفن التشكيلي، الذي قسم إلى مراحل مختلفة تعني بقراءة تلك اللوحات ودراستها، على سبيل المثال (الباروكية، الروكوكو، الكلاسيكية، الرومانسية، الواقعية، ما قبل الرفائيلية، الانطباعية وما بعدها، الرمزية، الفن الحديث، التعبيرية، المستقبلية، السريالية، التكعيبية.. وغيرها) وكان لكل من هذه المدارس روادها المشهورون بلوحاتهم في مجالها.
للفن التشكيلي أهمية في حركة المجتمع وتطوره، فهو يكسر كل الحواجز في خيال وفكر الإنسان ويرسمها في اللوحات، ويزيد من التواصل بين الفنان والطبيعة والحراك في مجتمعه، وكما أنه يعد حالياً من أهم أنواع التعبير عن حرية الرأي بالرسوم التعبيرية أو الكاريكاتير، فهو قائم على الحرية في الرسم والتعبير، كما أن له مقدرة على نمو الدماغ لأنه يحفز القدرات الفكرية والتعبيرية وخاصة لدى الاطفال، فبحسب الدراسات فأن الاطفال الذين يمارسون الرسم يكتشفون الملاحظات والتفاصيل الدقيقة التي تقوي الذاكرة وتعزز مهارة الرسم والكتابة والمهارات اليدوية، كما أن الرسم يطور الخيال والذكريات التي تساعد في وضع المعنى والاتجاه للممارسات الحياتية المستقبلية، كما أنها تضيف للطفل متعة خلاقة يستفيد منها بالتعرف على الطبيعة من حوله عن طريق رسمها.
ولكن من الملاحظ أن الفن التشكيلي في مجتمعنا يعاني إهمالا، تظهر صورته في المتلقي الذي يهمل هذا الجانب الذي يعتبر فيه الفن التشكيلي نتاجا ثقافيا يساعد على تحفيز الوعي الجمالي لديه، كما أن المؤسسات التعليمة تساهم في هذا الاهمال والأمية والجهل بهذا الفن لعدم توفيرها مناهج اكاديمية مدروسة، فمادة التربية الفنية تعاني من قلة الأدوات والدراسات والمناهج التي يجب توظيفها لتدريسها للطالب، فهناك الكثير من المدارس أهملت حصة الرسم واعتبرتها من الحصص الغير مهمة وخاصة في صفوف (الأول وحتى العاشر) مع العلم أن تلك المراحل هي من أهم المراحل في نمو الدماغ وتعزيز قدراته الابتكارية والخيالية، وهي للأسف ضعيفة جدا مقارنة بأكاديميات الدول الغربية التي قطعت شوطا مميزاً في الاهتمام بتدريس الفن التشكيلي في المؤسسات التعليمية، كما أن مؤسساتنا تهمل الجانب التثقيفي لهذا الفن بسبب عدم توافر معارض أو متاحف أو أماكن تعني بتنمية هذه الثقافة للطلاب، كما أن مخرجات الدراسة من الجامعة تنظر للفن التشكيلي باعتباره تحصيل حاصل للدراسة بالجامعة ومن ثم التوظيف، فبعض مدرسي مادة التربية الفنية لا يتقنون تدريسها للطلبة بصورة صحيحة اكاديمياً، أو بصورة مقنعة لعدم وجود الاقتناع العلمي والعملي لديهم.
 
وهناك مشكلة اخرى أدت إلى غربة الفن التشكيلي في مجتمعنا، وهي أن المهارات الفنية للفرد لا تتابع وتهمل من جانب المؤسسات الحكومية، وكل من يرغب بدراسة هذا الفن يعاني من عدم توافر اكاديميات في المجتمع تعني بهذا الجانب، وعدم مقدرته على السفر إلى الخارج لعدم توافر السيولة المادية التي تخوله الاهتمام بتنمية هذا الجانب، وأغلب الفنانين في مجتمعنا هم من الفئة النخبوية الذين استطاعوا دراسة الفن بالخارج، ومع هذا فإن نتاجهم الفني منعزل عن الجماهير، بسبب وجود تلك الفجوة بين القيم التي درسوها في الخارج ومقدرتهم على إظهارها أو تفعيلها في المجتمع مع ما يتناسب المجتمع الذي هو فاقد لهذه الثقافة من الأساس.
الفن التشكيلي بحاجة إلى انتماء للمجتمع وتطوير أدواته وتوافر بحوث ودراسات اكاديمية تساهم في الرقي بهذا الجانب الثقافي وتفعيله بشكل صحيح وصحي، كما أنه يجب أن تتوافر للفن التشكيلي الحرية التي تخوله لتنمية المقدرات الفكرية، ويجب أن تبعد عنه النظرة السلبية والخروج من التبعية التي تنشرها جماعات التخلف والجهل والقمع التي تقيد وتجمد الحضارة والعلوم وإيقاع التطور بمقاييسهم الضيقة، فالفن التشكيلي هو تاريخ الإنسانية وهو صورة من صور مظاهر الحضارة والثقافة في المجتمع وليس مثلما تنشر بعض الجماعات القمعية أنه يتضمن الفساد والخراب للمجتمع.